ابن ميثم البحراني

207

شرح نهج البلاغة

والوعد ، وفي الشرّ الإيعاد والوعيد . وهاهنا وإن سقط ذكرهما إلَّا أنّ قوله : خيفة . تدلّ على وجود الشرّ فكان كالقرينة ، وغمّ الضريح : الغمّ الحاصل والوحشة المتوهّمة فيه . إذ كان للنفوس من الهيئات المتوهّمة كونها مقصورة مضيّقا عليها بعد فسح المنازل الدنيويّة وساير ما ذكره عليه السّلام من الأهوال ، وإنّما عدّد هذه الأهوال لكون الكلام في معرض الوعظ والتخويف وكون هذه الأمور مخوفة منفورا عنها طبعا . ثمّ أكَّد ذلك التخويف بالتحذير من اللَّه وعلَّل ذلك التحذير بكون الدنيا ماضية على سنن : أي على طريقة واحدة لا يختلف حكمها فكما كان من شأنها أن أهلكت القرون الماضية وفعلت بهم وبآثارهم ما فعلت وصيّرتهم إلى الأحوال الَّتي عدّدناها فكذلك فعلها بكم . وقوله : وأنتم والساعة في قرن . كناية عن قربها القريب منهم حتّى كأنّهم معها في قرن واحد . وقوله : وكأنّها قد جاءت بأشراطها . تشبيه لها في سرعة مجيئها بالَّتي جاءت وحضرت . وأكَّد ذلك التشبيه بقد المفيدة لتحقيق المجيء . وعلاماتها كظهور الدجّال ، ودابّة الأرض ، وظهور المهديّ وعيسى عليهما السّلام إلى غير ذلك . وكذلك قوله : وأزفت بأفراطها ووقفت بكم على صراطها . إلى قوله : وسمينها غثّا : أي وتحقّق وقوفها بكم على صراطها وهو الصراط المعهود فيها . وقوله : وكأنّها قد أشرفت بزلازلها . أي أشبهت فيما يتوقّع منها من هذه الأحوال في حقّكم حالها في إيقاعها بكم وتحقيقها فيكم ، واستعار لفظ الكلاكل لأهوالها الثقيلة . ووصف الإناخة لهجومها بتلك الأهوال عليهم ملاحظا في ذلك تشبّهها بالناقة . وإنّما حسن تعديد الكلاكل لها باعتبار تعدّد أهوالها الثقيلة النازلة بهم . ولمّا كانت الأفعال من قوله : وأناخت . إلى قوله : فصار سمينها غثّا . معطوفا بعضها على بعض دخلت في حكم الشبه : أي وكانت الدنيا قد انصرفت بأهلها وكأنّكم قد أخرجتم من حصنها إلى آخر الأفعال .